جان لوئيس بوركهارت
164
رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان
تلك القترة يكمن للمسافرين حول آبار النجيم ، وكانت الأنباء تصله بانتظام عند قيام كل قافلة من بربر . واستأجروا دليلا من العبابدة قادهم سالمين إلى البئر ، ولكنه ضل الطريق حين اتجهت القافلة شمالا لأنهم كانوا يسلكون دربا غير مطروق . ونفدت مئونتهم من الماء بعد أن ساروا خمسة أيام في الجبل على غير هدى ، فصح عزمهم على أن ييمموا غربا أملا في بلوغ النيل . وبعد أن انقضى عليهم يومان بغير ماء هلك منهم تاجر وخمسة عشر عبدا . وخيل إلى أحدهم - وكان من العبابدة ، ومعه من الإبل ثمانية - أن الإبل قد تفطن إلى موارد الماء خيرا من راكبيها ، فطلب إلى رفاقه أن يشدوا وثاقه إلى رحل أقوى جماله لئلا يسقط عن ظهره إعياء ، وهكذا فارقهم ووكل أمره إلى جماله تسير به أنى شاءت ، ولكن أخباره هو وجماله انقطعت . وبعد أن غادرت القافلة أواريك بثمانية أيام ، رأى من ظل من رجالها على قيد الحياة جبال شقرة من بعيد فعرفوها لتوهم ، ولكنهم كانوا خائرى القوى لا يملك الرجال ولا الدواب أن يسيروا خطوة واحدة . فتوسد الرجال الثرى تحت صخرة من الصخور وبعثوا خادمين يركبان جملين كانا أشد ما بقي من جمال ليبحثا عن الماء . ولكن قبل أن يبلغ الرجلان الجبل سقط أحدهما عن ظهر مطيته فاقد النطق لا يستطيع إلّا أن يومىء لصاحبه أن يمضى ويدعه يلقى مصيره . ومضى الثاني في طريقه ، ولكن الظمأ كان قد أعشى بصره فضل طريقه على تمام خبرته به وكثرة سفره فيه . وظل يضرب في الأرض على غير هدى ، ثم نزل عن بعيره تحت ظل شجرة شده إلى غصن فيها . ولكن البعير شم الماء كما يقول العرب ، فقطع مقوده على ما به من خور وضعف ، ثم انطلق كالمجنون صوب العين ، ولم تكن تبعد إلا مسيرة نصف ساعة كما اتضح فيما بعد . وفهم الرجل السر في مسلك البعير فحاول أن يقتفى آثاره ، ولكنه لم يخط بضع خطوات حتى تهاوى إعياء وقد أشرف على الهلاك ، ولكن العناية الإلهية قيضت له بدويا من البشاريين المخيمين قرب العين عبر الطريق . فلما وجده رش على وجهه الماء فأفاق من غشيته . وهرول كلاهما صوب العين فملآ القرب وعادا إلى القافلة فوجدا أهلها المعذبين لا يزالون على قيد الحياة لحسن الحظ ،